كتاب ” طـائفة الـــدروز- تــاريخها وعـــقائدها “

مقال نشره الدكتور سلمان فلاح عندما كان يدرس في جامعة برينستون الأمريكية،  في مجلة “نهضة العرب”  التي  صدرت في مدينة ديترويت – ميشيغن-  بالولايات المتحدة. والتعقيب على المقال  وقرار مشيخة العقل في لبنان الذي نُشر  في مجلة الضحى اللبنانية عام 1965 من قبل المرحوم الشيخ محمد أبو شقرا، شيخ العقل والقاضي بمنع تداول الكتاب “طائفة الدروز- تاريخها وعقائدها لمؤلفه محمد كامل حسين وضبط نسخ الكتاب.

 قبل انفصام الوحدة بين مصر وسوريا استمعت من “صوت العرب” إلى تعليق على هذا الكتاب، والحقيقة إني تلهّفت يومها للحصول عليه ومطالعته، والسبب يعود إلى أمريْن، أولهما أن هذا الكتاب هو أحدث ما نُشر عن الدروز بقلم كاتب مصري، وثانيهما أن المؤلف، الدكتور محمد كامل حسين هو رجل علم قدير وهو أستاذ في كلية الآداب بجامعة القاهرة، وقلت يومها في نفسي إنه لا بد من أن يكون هذا الكتاب على مستوى رفيع، وموضوعاً على أساس البحث والاستقصاء كما يليق ببحث يصدر عن أستاذ جامعي.
وحصلت على الكتاب، ورحت أقرأه بتلهف ولم أدعه حتى انتهيت من قراءة صفحاته ال 129.
فماذا وجدت في الكتاب؟ توقعت أن يكون الكتاب أكثر مما وجدت كمية وماهية وكيفية، ومع هذا وجدته كتاباً قيّما، حاول مؤلفه إتباع الطريقة العلمية في البحث والنقاش، إلا أنه لم يقتصر على إتباعها، فقد وضع أمام ناظريه هدفاً توجيهياً سياسياً، كيف ى؟ والكتاب وُضع أثناء الوحدة مع سوريا، وجبل الدروز كان جزءاً من الجمهورية العربية المتحدة؟
ويشرح المؤلف الدوافع التي حدت بع إلى وضع كتابه هذا فيقول في مقدمته: فدراسة عقيدة الدروز ليست بالدراسة السهلة الهيّنة بل تكتنفها صعوبات لما يحيط بها من غموض، وربما كان هذا هو السبب الذي دعا إلى أن يسألني بعض الأصدقاء في أن أضع كتاباً عن الدروز، وليس بعجب أن يكون هؤلاء من الدروز أنفسهم الذين صرّحوا لي بأنهم لا يعرفون شيئاً عن عقيدتهم بالرغم مما هم عليه من ثقافة واسعة أهّلتهم أن يشغلوا مراكز هامّة في المجتمع، وهكذا فالكتاب وُضع بناء على طلب معين ولهدف معين وربما كان هذا السبب الذي حتّم وجود الهدف التوجيهي للكتاب.
بتناول الدكتور حسين في كتابه هذا تاريخ الدروز منذ تأسيس الديانة الدرزية حتى يومنا هذا. وكل هذا في أقل من عشر صفحات ثم ينتقل إلى تاريخ بعض العائلات الدرزية الهامة وبعض التحزّبات التقليدية، فيذكر الجنبلاطية، واليزبكية، والنكدية، وبني عبد الملك، وبني حصن الدين، وبني علم الدين، وبني عماد الدين، وآل أرسلان، وهو يردد بإيجاز تاريخ هذه العائلات الدرزية الهامة.
إلا أنه لم يؤرخ لا للتنوخيين ولا للمعنيين، وهاتان العائلتان هما أهم العائلات الدرزية في شتى عصور تاريخهم، فالأمراء التنوخيون كانوا حكّام لبنان وجزءا كبيرا من سوريا وفلسطين والأردن طيلة عهد المماليك، والأمراء المعنيون ورثوا عنهم الحكم لدى احتلال العثمانيين لهذه المنطقة سنة 1516 ودام حكمهم حوالي المئتي سنة، ومع هذا فلا ذكر لهاتين العائلتين وتاريخهما في كتاب الدكتور محمد كامل حسين. ويخصص المؤلف بعد ذلك ثلاث صفحات للتحدث عن طبقات المجتمع عند الدروز، وبالطبع يتناول “العقّال” و “الجهّال” ورغم إيجاز وصفه لهاتين الفئتين جاء مطابقاً تماماً للواقع.
أما القسم الثاني من كتابه فيخصصه المؤلف للديانة الدرزية، وهنا يتورّط في مواضيع شائكة لا سبيل لفهمها وشرحها شرحاً واقعياً وافياً دون الاطلاع على جميع الكتب الدينية الدرزية، ورغم أن المؤلف اطلع على قسم كبير من “رسائل الحكمة” ودوّن أسماء جميع هذه الرسائل في مؤلفه، إلا أن هذا لا يكفي لكشف جميع دقائق الديانة وخباياها، وعلى ما يبدو يعكف الدكتور حسين على دراسة هذه المخطوطات الدرزية على أمل وضع بحث علمي شامل دقيق عن هذا الموضوع على أساس المادة المتوفرة لدى المؤلف، خاصة وأن الموضوع حسّاس وبحثه لا يجدي نفعاً.
في مقدمته يؤكد المؤلف أن علماء أجلاء من الغرب ومن أبناء العربية درسوا بعض المخطوطات الدرزية، ويضيف: ولكن يؤسفني أن أقول إن هؤلاء العلماء لم يستطيعوا أن يلمّوا إلماماً تاماً بمدلول المصطلحات التي زخرت بها كتب العقيدة الدرزية، فلم يوفق هؤلاء العلماء التوفيق الذي كنت ارجوه لهم إزاء جهودهم المحمودة ومثابرتهم على العمل العلمي المشكور.
ولعلنا نقول بدورنا للأستاذ المؤلف ما قاله عن المؤلفين الذين سبقوه، إننا لا نشك في نواياه الطيبة اتجاه موضوع كتابته، إلا أنه لم يوفق التوفيق المرجو نظراً لصعوبة فهم المصطلحات الدرزية والرموز الخفية، والتي لا سبيل إلى فهمها على أساس دراسة المادة المتوفرة لديه.
نظراً لتعسر فهم المصطلحات الدرزية فقد لجأ المؤلف إلى شرحها وتفسيرها على أساس النظرية الإسماعيلية والفاطمية، ورغم أننا لا نقول بخطأ هذه الطريقة، إلا أننا نعلم بأن الدرزية غير الإسماعيلية وغير الفاطمية والشبه بين الثلاثة لا يجعلها واحدة، ومن هنا فإن اللجوء إلى الإسماعيلية والفاطمية في شرح الديانة الدرزية يبعدها كثيراً عن حقيقتها.
ولعلنا نقول إن ما ذهب إليه المؤلف من شرح الديانة الدرزية على أساس الدعوة الفاطمية كان من أهم الأسباب للبلبلة التي وقعت في الكتاب، ففي حين لا يتجاهل المؤلف التناقض بين الدعوتين الفاطمية والدرزية ويشير إلى أن إحداهما كانت تكفر الأخرى، فهو يستشهد برسالة الداعي الفاطمي أحمد حميد الدين الكرماني، والمعروفة باسم “مباسم البشارات” لشرح مكانة الحاكم بأمر الله، ومؤلف هذه الرسالة يشرح موضوع الإمامة على الطريقة الفاطمية لا الدرزية.
ومهما يكن من أمر، ورغم المزالق التي لا بد أن ينزلق إليها كل من يحاول الخوض في موضوع الديانة الدرزية، فإن المؤلف هدف إلى خدمة الدروز وتبييض صحيفتهم والدفاع عن عقائدهم ومعتقداتهم ولم يترك فرصة إلا وأكدّ فيها بطولة الدروز وصدفهم وإخلاصهم، ودورهم الوطني ووفائهم لأصدقائهم.
ورغم أننا ندين للمؤلف بالشكر لإبراز هذه الجوانب الساطعة في تاريخ الدروز وحياتهم الاجتماعية إلا أنه لا يمكننا تجاهل المزالق التي تعرض لها المؤلف في الفصول التي تتعلق بالدين خاصة، مما أبعدت الكتاب عن الصفة العلمية الموضوعية البحتة.
 
قرار مشيخة العقل

كتاب الدكتور محمد كامل حسين عن الدروز ومنع تداوله وضبطت نسخه
قرأنا في جريدة نهضة العرب الغراء التي تصدر في ولاية ديترويت – مشيغن- الولايات المتحدة، نقداً لكتاب ” طائفة الدروز، تاريخها وعقائدها”، كتبه الأستاذ سلمان فلاح، ويشير هذا النقد إلى المغالطات الكثيرة التي تضمنها الكتاب الآنف الذكر لعدم إلماما كاتبه، وغيره من المؤلفين، بحقيقة المذهب الدرزي وإدراك أسراره مهما ادّعوا ذلك.
ولقد تنبّهت مشيخة العقل الجليلة في بيروت منذ أكثر من سنتين، إلى ما ورد في كتاب الدكتور محمد كامل حسين من تفاسير وأمور لا تنطبق على الحقيقة، فعملت لدى المراجع الرسمية لمنع تداوله وضبط نسخه.
وقد لبّت هذه المراجع الطلب وضبط الكتاب، ونُشر قرار المنع والضبط يومئذ في الصحف.
وهكذا سيكون نصيب كل كتاب عن الدروز ومعتقداتهم لا يحمل صاحبه موافقة مشيخة العقل الخطيّة. كما سبق “للضحى” وأعلنت في جزء سابق. وإننا لنشكر، على كل حال، للأستاذ سلمان فلاح، اهتمامه وملاحظاته التي جاءت في محلها.

الموضوع الأقدم:
الموضوع الأحدث: