خلوات البياضة

على سفوح جبل الشيخ الغربية تقبع قرية حاصبيا ذات التاريخ المجيد.. حيث تبرز في وسطها قلعة الشهابيين للناظر من بعيد – تلذ الأسرة التي حكمت لبنان فترة من الزمن.. وفي الجهة القبلية (الجنوبية) الشرقية وعلى تلة مرتفعة وسط الأحراش الطبيعية تقبع خلوات البياضة مطلة على ما حولها.. حيث تبرز أمام الناظر من هناك جبال الجليل الأعلى في إسرائيل من الجنوب.. وجبال لبنان حتى البحر المتوسط من الغرب وسهل البقاع وجبل الشيخ من الشرق.
تلك الخلوات التي بُنيت في البداية كخلوة واحدة للشيخ سيف الدين شعيب أحد مشايخ حاصبيا  الأجلاّء وذلك قبل أكثر من ثلاثمائة سنة (كما جاء على لسان الشيخ أبو فندي).
وقد كان الهدف من بنائها لكي يتمكن الشيخ سيف الدين رحمه الله من تأدية فرائضه الدينية في عزلة عن الناس.. كما قد اتخذها مدرسة دينية لتثقيف الشبان الدروز وتعليمهم أصول الدين الشريف.. حيث تقاطر إليه آنذاك العديدون  .. وقد شاءت الصدف أن يبرز بين هؤلاء الشباب .. شاب تقي ورع نجيب يدعى الشيخ جمال الدين الحمرا من حاصبيا.. ذلك الشيخ الذي أصبح محط الأنظار بعد وفاة الشيخ سيف الدين شعيب رحمه الله.. حيث أخذ يتوافد عليه الشباب الدروز في طلب المعرفة وطريق الحق.. ومنذ ذلك الحين أخذ نجم البياضة يسطع وأصبحت قبلة الدروز أينما كانوا.. وأخذت كل طائفة من الدروز في بناء خلوات خاصة بها لكي يتلقى شبابها التحصيل الديني فيها وليس هنالك أي شرط لقبول أي شخص يرغب الدراسة الدينية سوى أن يكون درزيا مثبوت الأصل متدينا.. كما أن بناء خلوات عديدة في البياضة شجع الكثير من العائلات الدرزية من مختلف أنحاء البلاد للقدوم والسكن في حاصبيا حتى تكون على مقربة من هذا المقر الديني ليتسنى لها تثقيف وتنشئة أبنائها تثقيفا وتنشئة دينية صحيحة.. ويشرف على البياضة عادة وكيل وقف يتم اختياره من قبل مشايخ الدين وظيفته القيام على خدمة الزائرين والحفاظ على نظافة المكان .. ويسكن عادة هناك بالإضافة إلى الشبان الذين يودون التزود بالزاد الروحي والمعرفة الدينية. يعتاش وكيل الوقف من الأرزاق الموقوفة للبياضة وهي كثيرة منها  كروم الزيتون وعنب وتين وصنوبر وعدة أجران للنحل.. ويصرف ربع هذه الأوقاف على الزائرين والمحتاجين من يستحقون الصدقة.
كما وأن الخلوات الخاصة التي بُنيت في البياضة لها أوقافها وتقوم بتزويد نفسها وتزويد الشبان الوافدين من قبلها للتحصيل لديني بالمحروقات والأثاث والزاد وغيره.
ومن الجدير بالذكر أن الشبان الذين يدرسون في البياضة يعتمدون في مصروفهم على أنفسهم.. وعادة يكون المصروف قليلا..حيث يعيش هؤلاء الشبان حياة من الزهد والتقشف.. وهي فريضة على كل مؤمن اختار طريق الآخرة.. ولذا فأن مصاريف الشبان قليلة من طبيعتها.
ويبرز من بين خلوات البياضة المركزية التي بناها المرحوم الشيخ سيف الدين شعيب التي كانت عبارة عن خلوة صغيرة إلا أنها مع الزمن تطورت وأضيف عليها في البناء حتى أصبحت خلوة كبيرة وذلك لكي تتسع للجموع الكثيرة التي أخذت تتوافد بكثرة  على هذا المقر.
أما الخلوات الصغيرة .. فقد قامت ببنائها قرى معينة أو عائلات معينة أو أفراد معينون… لكي تكون بمثابة مقر للشبان الوافدين من قبلهم لطلب التحصيل الديني
من بين هذه الخلوات تبرز خلوة بيت جن التي قام ببنائها أهالي بيت جن في إسرائيل.. وخلوة يركا التي قام بتمويله بنائها وقف الشيخ محمد معدي.. وهناك خلوة جبل الدروز، التي بنيت باسم أهالي الجبل كله وخلوات عديدة لجبل لبنان، منها خلوة عاليه وخلوة رأس المتن وهناك خلوة الست التي قامت ببنائها المرحومة الست نايفة جنبلاط وقفتها لأهالي جبل لبنان.. وهناك خلوة راشيا الوادي وخلوة لأهالي شويا وخلوة المشايخ من عين قنيا اللبنانية كما وأن هناك خلوات خاصة قام ببنائها بعض العائلات من حاصبيا ويقول الشيخ ابو فندي إن ليس هناك ثمة سبب واضح لاختيار هذا الموقع سوى لكونه منعزل عن الناس يمكن الخص والأشخاص الذين يودون عبادة الخالق من التفرغ للعبادة دون إزعاج . وهذا هو السبب الوحيد الذي دعا الشيخ سيف الدين أن يتخذه مقرا له للعبادة والتأمل الروحي. ومن الجدير بالذكر أن أهالي حاصبيا هم الذين ساعدوا حياة المرحوم الشيخ سيف الدين على بناء خلوته المذكورة .. وتبرعوا له ببعض الملاك ووقفوها على اسمه ومنذ ذلك الحين أخذ المحسنون يتبرعون بالأملاك القريبة للمعبد أو شراء أملاك ووقفها للمعبد حتى أصبحت الخلوات على ما هي عليه اليوم من الأوقاف الكثيرة . أما بشأن الطريق للبياضة فما زالت طريق المشاة وعرة وطريق السيارات شاقة وصعبة.. ولا توجد هناك نية لإصلاح الطريق وتحسينها وذلك لأن تحمل المشاق في الوصول إلى المعبد تزيد حسنات المؤمن على حد قول الشيخ أبو فندي.. كما أن عدم وجود طريق سهلة يبقي البياضة في منعزل عن الناس والسيارات كما هي عليه الآن ويفسح المجال أمام المشايخ والعُبّاد في مزاولة فرائضهم الدينية بهدوء.
كما أن الوافدين لخلوات البياضة يشاهدون في الجهة الجنوبية منها مساحة دائرية مبنية من الحجر ..بنيت بهذا الشكل ليتسنى للمشايخ أو الدارسين من رؤية بعضهم أثناء الحديث أو المذاكرة.. وتستغل للاجتماعات في الصيفية.. وليس لهذه الساحة الدائرية أي مدلول ديني على حد قول الشيخ أبو فندي سوى ما ذكرناه سابقا.
وفي الجهة الغربية هناك شجرة سنديان كبيرة وارفة الظلال، لم يقم بزرعها أحد وإنما وُجدت من الطبيعة أبقى عليها الشيخ المرحوم سيف الدين يتخذ من ظلها ملجأ يقيه هجير الصيف ويمنحه الهواء العليل في أيام الحر الشديد. . وليس لها أي مدلول أيضا ديني ولا رمز لشيء.
والزائر للخلوات لا يرى سوى البساطة والتواضع في كل شيء.. ولا يجد أثر للزخرفة.. لأن الدين الدرزي يأمر بالبساطة وعدم الزخرفة .. في كل شيء في البناء واللباس والمأكل والمشرب والأثاث إلخ.. حتى في تقديم الواجب يجب ان يكون الإنسان بسيطا.. وتقدم ما وسعك .. ثم أن الزخرفة دلالة على التكبر وشوفة النفس وهذا حرام دينيا.
أما بشأن الإشراف على الخلوات وأوقافها فهنالك فئة من المشايخ تهتم بهذا الأمر من بينهم الشيخ ابو فندي جمال الدين الذين يعمدون للتشاور لما فيه الخير والصلاح عملا بالقول: واجعلوا الأمر شورى بينكم.
وفي السؤال للشيخ أبو فندي عن بعض الأسماء اللامعة في تاريخ خلوات البياضة قال : هنالك الكثيرين ممن درسوا في البياضة ولمع اسمهم.. وعلى رأسهم فضيلة الشيخ أمين طريف الرئيس الروحي للطائفة الدرزية في إسرائيل.. جولس والشيخ ابو حسن منهال منصور (عسفيا، والشيخ أبو علي يوسف أبو إبراهيم (راشيا الوادي) وغيرهم الكثيرون من جبل الدروز ولبنان، وأن المتخرج من البياضة لا يعطى لقبا لأن الألقاب نوعا من الغرور وهذا أمر مكروه دينيا وغير مرغوب فيه..
ويقول الشيخ أبو فندي إنه قد جرت العادة أن يخلع على المتخرج من البياضة بعد أن ينهي دراسته الكاملة ثوبا مقلما بالبيض والأسود بسيط خال من الزخرفة والزركشة لأن الملابس المزركشة هي نوع من حب النفس والظهور وهذا محرم دينيا ايضا ومرفوض.
وأما الدارسون في البياضة فإنهم يتلقون المساعدات من وقف البياضة.. كما أن البياضة لا تقدم فقط المساعدات للدارسين والمحتاجين بل تتلقى المساعدات أيضا من المتبرعين والمحسنين.. ومن الوصايا التي يتركها الراحلون.. عن هذه الدنيا الفانية. من أبناء الطائفة ومن بين التبرعات التي تقدمها البياضة ، مساعدات لبيت اليتيم الدرزي وبناء خلوات جديدة وترميم مقامات الأنبياء والأولياء والصالحين.
وفي سؤال للشيخ أبو فندي إن كانت هناك نية في تحسين مقر الخلوات وأبنيتها أو إضافة خلوات جديدة صرح بأن ليس هناك أي نية للترميم لأن الدين يأمر بالبساطة والمظاهر الخالية من الزخرف والزيف كما وأن ليس هناك أي نية لإضافة خلوات جديدة لأن الحاضر يكفي.
وبأمر الاجتماعات – فإن الاجتماعات التي تتم في الخلوات هي اجتماع ليلة الجمعة حيث يحضر المشايخ من القرى المجاورة للمذاكرة الدينية.. ومن حين إلى آخر يتم عقد اجتماعات لبحث أمور مصيرية تتعلق بالطائفة جمعاء.. أينما كانت انطلاقا من الفريضة الدينية الدرزية – حفظ الإخوان – ويمنع بتاتا عقد أية اجتماعات حزبية أو سياسية فيها حيث أن رجال الدين الدروز منزهون عن السياسة.. ويحظر عليهم التدخل بها.  
 الأستاذ مالك صلالحة
تلقى تعليمه الابتدائي  في مدرسة القرية ثم تعليمه الثانوي في الرامة بعدها التحق بدار المعلمين العرب بحيفا ليرجع معلما في مدارس قريته. بدا يمارس كتابة الشعر في المرحلة الثانوية إلا أنه نشر أولى قصائده في مجلة الهدى بعدها أخذ ينشر في مجلة الشرق وصدى التربية والأنباء والمجتمع. وهو يتطلع لإصدار مجموعته الشعرية الأولى في المستقبل القريب.. إضافة إلى مهنته التدريس وقرض الشعر فهو رسام هاو له العديد من اللوحات كما يعمل مراسلا صحفيا لجريدة الأنباء. 
 

الموضوع الأقدم: