الخلوة

من أهم معالم القرية الدرزة وأشدها أثراً على الحياة الاجتماعية هي “الخلوة” – بيت الصلاة والوحدة الدينية. وحيث أن ما نُشر حتى الآن عن الدروز لم يعطِ الخلوة مكانتها – بشكل عفوي او مقصود – رأيت من الحق إبراز شانها دون التطرق إلى الأمور الدينية فيها والاقتصار على ثلاث مستويات : تحديد المكان ، المبنى الطبيعي، والتأثير الاجتماعي للخلوة. وخلال دراسة الموضوع لا بد من استعراض الوظائف والمهام الاجتماعية للمسجد والكنيسة لاكتمال صيغة البحث هذا لأجل المقارنة وإبراز الخصائص.
تعتبر الكنيسة البيت الروحي للمسيحيين ولها أكبر الفضل في صقل المجتمع الأوروبي والأمريكي خاصة وغالبية العالم عامة. فالمعاهد الدراسية، المستشفيات، دور الأيتام، السجون، القوانين الشخصية والاجتماعية، نهاية العبودية. السلام وأخوة الشعوب كانت جميعها من أعمال الكنيسة. فكانت لها القوة والأثر في فرض السلطة الكبرى على الروح (البابا) والسلطة الصغرى على الجسد أي الملك. إلا أنه مع مدار السنين تقلصت نسبيا صلاحيات الكنيسة واقتصرت على الحياة الاجتماعية كالزواج والمأتم ودور الأيتام ومعاهد أخرى بالإضافة إلى احتفالات الأعياد وطقوس أخرى. وخلاصة القول أن مركز الكنيسة يتعدى الطقوس الدينية ويشمل الحياة الاجتماعية. أما المسجد فقد شغل مهام منوعة جدا ولم يغلق أبوابه على الناحية الدينية فقط.
فقد وحد صفوف المسلمين على طبقاتهم دون فرق وأعطى المثل العليا للفرد بالهدى والإرشاد وحتى التثقيف. ويمكن القول إن المسجد دخل حياة كل مسلم إلى قلبه وإلى فكره وبرزت أهميته ومكانته عند الضيق. إلا أن أهميته قد تلاشت مع مرور الزمن واقتصرت نسبيا على الناحية الدينية والأحوال الشخصية.

الخلوة – تعريف
الخلوة بيت الصلاة عند الدروز فالكلمة ذاتها لها معان عدة وأهمها:
- مكان خال “فارغ”.
- مهجور ومتروك.
- الاختلاء أي الانفراد بآخر.
والمرجع أن المعنى الأخير أي الانفراد بآخر والاختلاء في العزلة هو الأقرب إلى المفهوم الصحيح للخلوة حين ينفرد الدرزي بخالقه في عزلة عن المجتمع الخارجي.
فالخلوة بيت متواضع كان وما زال يؤمه فقط رجال الدين والنساء للصلاة فقط فالرجل الدرزي غير المتدين إلا حين يثبت تدينه والمرأة الدرزية متدينة إلا حين يثبت العكس.
تحديد مكان الخلوة:
هناك عاملان يحددان موقع الخلوة:
1- عامل العزلة.
2- العامل البشري.
بما أن الكتمان الديني هو من أهم أسس الدين الدرزي فقد دأب الدروز في الماضي وفي الحاضر على تحديد موقع جانبي للخلوة في أطراف المجمع السكاني بعيدا عن المركز الصاخب. واليوم وبعد أن انتشرت القرية الدرزية واتسعت، بقيت الخلوة مكانها في داخل القرية إلا أن العزلة ما زالت قائمة في أطراف الحارات الداخلية.
والعمل الثاني الذي لا يقل أهمية من الأول. له كل التأثير في تحديد موقع الخلوة – العامل البشري. فعند القرار بإقامة خلوة جديدة فأنها تحدد بالقرب من بيت إمام العائلة أو في بيته نفسه وذلك بالتعاون بين أفراد العائلة والمنتمين لهم.
ومن هنا يمكن إجمال القول إن تحديد موقع الخلوة في المرجح هو أطراف الجزء القديم من القرية، بجوار بين إمام العائلة. هذا التحديد وإن كان غير المقصود هو المثالي للمجتمع الدرزي إذ  انه يسهل الوصول سيرا على الأقدام خاصة للمسنين والنساء في أقصر مسافة واقل وقت دون الحاجة لقطع القرية مشيا للوصول إلى خلوة منعزلة تماما عن القرية أو في مركزها.

المبنى الطبيعي:
الخلوة هو بيت متواضع، واحد من سائر البيوت القديمة عامة من حيث حجر البناء أو الشكل الخارجي ويصعب جدا تمييزه. وذلك بخلاف الكنيسة والمسجد (كالصليب أو الهلال). كما أن انعدام المنافذ إلى الخارج يحجر العالم الديني في الخلوة عن العالم الخارجي القريب. أما من حيث التقسيم فالخلوة جزءان: الأول لرجال الدين والآخر للنساء مع انعزال تام بين الجزأين: يتميز كل جزء بالبساطة والتواضع وذلك بعدم وجود زخرف أو رسم أي مكان. وفي الفناء الداخلي يتواجد عادة بئر ماء للشرب أضف إلى ذلك فكون الخلوة محاطة عادة لجدار أو سياج يضيف إلى عزلتها بعدا آخر عن الحياة الخارجية كما وأن الشبابيك أو المنافذ الصغرى في جدران المبنى فوقعها بالقرب من السقف حيث أن نظر المارة لا يستطيع رؤية ما يجول في الداخل والعكس كذلك أكثر منطقيا. تفتقر الخلوة عادة إلى الأثاث قصدا والجلوس يتم على الأرض المغطاة الحصير أو السجاد وما إلى ذلك تقشفا وخشوعا لله.
تعتبر الخلوة بيتا مهجورا نسبيا طيلة أيام الأسبوع تتوافد جموع المصلين من رجال الدين والنساء إليها لأداء فريضة الصلاة بالرغم من ذلك فإن هالة قدسية المكان والنظام والتقيد بالأخلاق وضبط النفس.
كل ذلك خلافا للقدوم منها حين تتدفق جماعات المصلين إلى الشوارع المؤدية إلى الخلوة ومنها باللباس الخاص والمميز مما يعطي القرية غذ ذاك طابعا خاصا

التجمهر في الخلوة – منها وإليها
تجمع عدد من الناس في وقت واحد وفي مكان واحد يؤدي إلى تجمهر. والتجمهر نوعان الأول حين يندفع المرء إلى مجموعة من الناس دون أن تربطه إياهم أي صلة والثاني عندما يكون المرء فردا من مجموعة له نفس الأهداف وصلة متينة معهم. ومن هذا الصنف جموع المصلين الدروز الذين يؤمون الخلوة في مواعيد الصلاة خاصة والأعياد عامة، فالدرزي الذي يقصد الخلوة للصلاة يجد إحساس بالأمان والشعور المشترك مع سائر المصلين، مما يؤدي في غالبية الأحيان إلى انتمائه للمجموعة نفسها دينيا واجتماعيا.
يتم الجلوس في الخلوة بشكل رباعي حينما يتمركز الإمام في وسط صدر البيت وفي مكان ثابت غالبا وبجانبيْه رجال الدين المسنين وذوي المكانة حسب الترتيب، وفي المقابل يجلس صغار رجال الدين عمرا. هذا يعني أن فارق العمر هو الذي يقرر مكان الجلوس والأولوية للبالغين عامة.
كذلك الأمر في الجز الخاص بالنساء حين تحل زوجة الإمام أو أمه مكانة الصدارة في الخلوة. يفتتح عادة الإمام الصلاة بالوعظ والإرشاد زمن ثم تبدأ الصلاة حين يأخذ الرجال بالمشاركة في الصلاة بينما النساء تسمعن فقط على الغالب أو يقرأن بصوت خافت أو بالصمت.

مكانة الخلوة في نظر القطاعات المختلفة في المجتمع الدرزي
لقد فحص هذا الموضوع في ثلاث قطاعات
1- الديني
2- التقليدي
3 – الجاهل
1- القطاع الديني: أجاب غالبية (85%) الذي وجه إليهم السؤال عن مكانة الخلوة بالقول إن الخلوة مكان مقدس. وينظر إليها بكل احترام وطاعة . وهو مكان لتوحيد الجامعة والأخوة والمحبة وما إلى ذلك.
2- القطاع التقليدي: أي المتمسك بالتقاليد والعادات بعيدا عن الجهل ولا ينتمي إلى رجال الدين فكانت الإجابة لدى 72% منهم مقاربة لنظرة رجال الدين إلا أن قسما منهم عبّروا عن بعض التحفظ عن بعض الأمور التي تفرض من قبل رجال الدين على المجتمع.
3- القطاع “الجاهل”: كانت إجابة 68% ممن سؤل عن مكانة الخلوة لديه بأنها ضرورية وهامة في حياة المجتمع الدرزي وأنه يكن لها كل الاحترام والتقدير لما تمليه على المجتمع من إرشاد ووعظ . إلا أن التحفظ لدى هذا القطاع كان أكبر وضوحا حين اختلفت النظرة للخلوة كما كان أو مؤسسة دينية عما هي كرجال الدين.

مهام الخلوة
أ‌- ديني: مكان صلاة جماعي مركزي عند الدروز.
ب‌- محافظة على العادات والتقاليد، في الخلوة تتقرر غالبية القوانين الاجتماعية.
ت‌- ثقافية دينية.
ث‌- قوانين اجتماعية: الأمور التي يُعمل بها والأخرى المحظورة مع وسيلة لتنفيذ هذه القوانين بواسطة الحرمان الديني.
ج‌- وحدة العائلة والانتماء والدعم الاجتماعي.
ح‌- مراسيم الزواج.
خ‌- المآتم.
د‌- المساواة بين الرجل والمرأة
ذ‌- حرية العمل اليومي لكسب العيش والتفرغ للصلاة في الأمسيات والمواعيد.

الخلوة كرمز
الرمز هو شعار لشيء مقبول لدى الأكثرية يحافظ على قيمته وينقل مفهومه إلى الآخرين من دور على دور بصورة مطلقة. كذلك الخلوة هي رمز الدروز عامة والدين الدرزي خاصة، فالخلوة محور يدور حوله المجتمع الدرزي على كل ما يحتويه من فحوى ومفهوم. سرية الدين والعادات الدرزية. التقاليد. المبنى الاجتماعي (العائلي). الانتماء المتواصل وغيرها، كلها جزء من رمز الخلوة لدى الدروز. هذا الرمز هو الأكثر أهمية الذي ويحد الصفوف ويجمعهم في السراء والضراء.

الخلاصة
بالرغم من التغييرات الكبيرة التي تمر على المجتمع الدرزي والتأثيرات الداخلية والخارجية على مبناه فإن الخلوة بقيت رمزا لكل درزي وتأثيرها ما زال ملموسا في الحاضر كما كان في الماضي وبصورة اشد أحياناً والخلوة في عزلة عن معالم التقدم والحضارة وغالبا ما تحافظ على شكلها ومبناها التقليدي. مهام الخلوة متفرعة ومتنوعة من الناحية الاجتماعية وبذلك تحافظ الخلوة على المجتمع الدرزي بما يميزه ويضمن استمراريته.

الموضوع الأقدم:
الموضوع الأحدث: